ثقافة فيلم أشكال ليوسف الشابي: شيء من أسطورة المنسيين الذين يصنعون مجدهم من خلال فنائهم
يربط فيلم «أشكال» للمخرج يوسف الشابي بين الهندسة والأسطورة الحضريّة. قد يبدو الرابط غريبا، لكن الهندسة التي نقصدها هنا هي الهندسة الخاصة بحي «حدائق قرطاج» بالضاحية الشمالية للعاصمة والذي ظلت أشغاله متوقفة لسنوات بعد الثورة. في ذلك الحيّز الزمني الذي توقفت فيه الأشغال، تولدت في الفضاء المذكور أشكال حياة جديدة لدى فئة من رواد الحي، وهم بالأساس حراس العمارات المهجورة والمعينات المنزليات وعمال البناء من تونسيين ومهاجرين أفارقة من جنوب الصحراء. توليفة اجتماعية وهندسية فتحت المجال، وفق ما يقترحه الفيلم، لميلاد أسطورة حضريّة، أسطورة أناس يحتفون بالنار وينقادون اليها كملاذ أخير وكحتمية تحررهم من تقاسيم المكان الذي انحبسوا فيه.
ومن خلال قصة بوليسية تتداخل فيها الجرائم والتحقيقات، يسعى البطلان فاطمة (فاطمة وصايفي) وبطل (محمد حسين قريع) لإزاحة اللثام عن سر اختفاء عدد من متساكني حي «حدائق قرطاج» بعد احتراق أجسادهم في أحداث غامضة. اذ تتفاجأ شرطة المكان بسلسلة من الجرائم الغريبة التي تعجز عن فهم خلفياتها ودوافعها. ومن هنا تنطلق أبحاث المفتشان فاطمة وبطل تقصيّا لحقيقة هذه الأحداث المريعة. فما سر احتراق حارس العمارة قدور النفطي، وما سر اختفاء المعينة المنزلية هاجر محجوب ثم العون لسعد والاستاد عادل وغيرهم؟

ترصد كاميرا الشابي من الوهلة الأولى للفيلم خصوصيات حي «حدائق قرطاج» المعمارية، يصورها الشابي في ذاك الحيّز الذي ظل فيه الحي مهجورا: بناءات شاهقة غير مكتملة، أعمدة اسمنتية لامتناهية، جدران غير مطلية، عالم رمادي قُد من كتل عمرانية ضخمة ومتلاصقة أشبه ما تكون للكائنات الحجرية الباردة. فهذا ترافلينغ يتابع مواد بناء مُتراصفة وآخر يترصد واجهة عمارة بُنّيّة بعد-حداثية، وهذه كاميرا تتطلع من الأسفل الى أعلى بناية شاهقة، وهذه لقطات تنقل -الواحدة تلو الاخرى- زوايا عمرانية حادة، وأشكال هندسية مكعبة، وهياكل عمرانية فارعة. كل هذه الأشكال المختلفة شكلت اللحم الحي للفيلم، ذاك الذي يغذيه جماليا وبصريا وينفخ فيه الروح الكامنة بداخله. وهنا وجبت الاشادة بعمل مدير التصوير حازم بالرابح الذي سهر على تقديم صور تجانس فيها الدفء والبرود فضلا عن الكادراج الذي أبرز ثنائية الامتلاء والفراغ، وأيضا بالموسيقى المصاحبة للفيلم، وهي من امضاء توماس كوراتلي، لما أضفته من ايقاع عاكس للأجواء المتوترة للفيلم دون مبالغة.
وان كان الخيط السردي الناظم للفيلم تمحور حول كشف حقيقة عمليات الاحتراق، فإن هذه المهمة فتحت الباب لقراءة مجتمعية تسعى لتبيّن حاجة المجتمعات أو المجموعات البشرية مهما كان حجمها، حاجتها لهويّة خاصة بها سواء كان ذلك عبر المعتقدات أو الدين أو الطقوس الاجتماعية المختلفة. ففي هذا الحي الاسمنتي البارد الذي يؤمه يوميا الحراس والمعينات وعمال البناء، ظهرت أسطورة حضريّة خاصة من نوعها، أسطورة أناس منقادون للنار ومنبهرون بها. وكأن بالفيلم يقول ان هؤلاء المنسيين صنعوا قصتهم الشخصية، تلك التي تقودهم نحو نهايات مشتعلة، فلا عزلتهم ولا هامشيتهم ولا انعدام مرئيتهم منعتهم من أن يخيطوا أسطورة تعطي معنى لوجودهم ولحياتهم. أسطورة المنسيين الذين يصنعون مجدهم من خلال الذوبان في نيران كبرى، نوع من الفناء الساخن، من النهايات القادحة التي تجلب لهم الأنظار المتعجبة والعاجزة عن فهم جرأة حركتهم.

هذا وينبني الفيلم أيضا على نوع من الموازاة بين قصته الفعلية أي مسار كشف حقيقة عمليات الاحتراق ومسار حقيقة الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت قبل الثورة والتي تنظر فيها «هيئة الحقيقة ورد الاعتبار» مثلما ورد اسمها في الفيلم في اشارة واضحة لهيئة الحقيقة والكرامة التي تم تأسيسها بعد الثورة. مساران متوازيان يعكسان توقا للمعرفة وللفهم. فما الذي حدث في الماضي؟ وما الذي يحدث اليوم؟
اما نهاية الفيلم، فقد بحث فيها المخرج عن نوع من الاكتمال، اكتمال الاسطورة التي انبنت عليها العملية السردية. فمن الاحتراقات الفردية الصغيرة الى النار العظيمة التي تناطح ألسنتها الأعالي متحدية رمادية وبرود الحي الاسمنتي حتى أن المفتشة فاطمة تبدو على وشك الانقياد الى هذا التيار المحتفي بالنار والمنبهر به كحتميّة أسطورية. أما بطل الذي يتعرض لانتقام عدد من زملائه، فتكشف نهايته أن العالم القديم بانتهاكاته البوليسية وبنزعاته الاقصائية مازال قائما وانه لا سبيل للتخلص منه. بين العوالم القديمة والاخرى الجديدة مسافات صغيرة، تظل حقائقها عصيّة المنال وافرازاتها جديرة بالاهتمام وبالتدقيق.
وكان فيلم أشكال شارك في عدد من المهرجانات السينمائية الدولية وتُوج بمجموعة من الجوائز منها جائزة النقاد في مهرجان "نوشاتال" في سويسرا، وجائزة أفضل فيلم في مهرجان السينما بالبوسفور في تركيا والجائزة الكبرى لمهرجان مونبيلييه للسينما المتوسطية بفرنسا، كما حصل على تنويه خاص في مهرجان نامور، وتم تقديم عرضه العالمي الأول ضمن قسم " نصف شهر المخرجين" في إطار الدورة 75 لمهرجان كان السينمائي (من 17 إلى 28 ماي 2022).
شيراز بن مراد